محمد عبد الله دراز
307
دستور الأخلاق في القرآن
صحة أفضل . ويصف لنا « ستيوات ميل [ S . Mill ] ، على أساس من العنصر المشترك بين رأيي أفلاطون ، وليبنز ، يصف لنا حدث الإرادة ، كسائر أحداث الضّمير الرّاهنة ، على أنّها محتومة بوساطة الحالات السّابقة ، وعلى طريقة كرة البليارد ، الّتي تتحرك عندما تتلقّى صدمة الكرة الأخرى ، في الاتجاه الّذي تدفعها إليه . فذاتنا قد تشهد هذا المنظر بطريقة سلبية ، أو بالأحرى : هذه الذات لا توجد من وجود خاص ، إذ ليس في هذا العالم سوى مجموعة من الظّواهر يسود بينها قانون الأقوى . ولكن إذا لم يكن حدث الإرادة سوى نتيجة طبيعية للأحداث السّابقة ، فيجب أن يكون ممكنا تحسبه ، والتّنبؤ به ، لا أقول : بالنسبة إلى المشاهد اليقظ ، بل بالنسبة إلى الشّخص ذاته ، بنفس اليقين الّذي نتنبأ به بظاهرة طبيعية . غير أنّ هذا التّنبؤ لا يكذبه لدينا فقط واقع تقديرنا للقرار الواجب اتخاذه ، وهو ما يبدو عديم الجدوى إذا ظهر أمامنا اتجاه متوقف الحدوث ، بل إنّ القرآن يعلن إلينا أنّ هذا التّنبؤ مستحيل على الفكر الإنساني : وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً « 1 » . ولا ريب أنّ من الممكن أن نخاطر بفرض حول احتمال حدوث حدث ما ، وأن نصوغ حكما بالاحتمال على أساس سلوكنا السّابق ، غير أنّ هذا الحكم سوف يكون حظ إثباته بوساطة الأحداث بقدر ما تستهوينا عاداتنا ، ولا يكون قط بقدر ما نلجأ إلى الاستخدام المتنوع لحريتنا . هذا الإدراك الميكانيكي للحالات النّفسية ، تعارضه معارضة قوية نظرية
--> ( 1 ) لقمان : 34 .